نشرح الظاهرة البصرية للانعكاس المنتشر التي تجعل الثلج يبدو أبيض رغم أنه يتكون من بلورات جليد شفافة. نحلل كيف تبعثر الأوجه العديدة لرقاقات الثلج جميع أطوال موجات الضوء بالتساوي، ولماذا يمكن أن تبدو الجبال الجليدية "المضغوطة" زرقاء، وتحت أي ظروف يمكن أن يكتسب الثلج ظلالاً أخرى. رحلة في فيزياء الضوء والبنية البلورية للماء.
لماذا الثلج أبيض إذا كان الجليد شفافاً؟
علم الضوء وراء الحجاب الأبيض للشتاء
عندما ننظر إلى مكعب ثلج في كوبنا، فهو شفاف. يمر الضوء من خلاله دون أي عائق تقريباً. لكن عندما يتجمد الماء في الغلاف الجوي ويسقط على الأرض كثلج، تكون النتيجة لوناً أبيض مبهراً يغطي كل شيء. كيف يمكن لمادة مكونة من جليد شفاف وهواء أن تغير لونها؟ الإجابة ليست في أي صبغة، بل في الطريقة التي "يلعب" بها هيكل الثلج مع ضوء الشمس. الثلج في الحقيقة خدعة بصرية من الطبيعة.
1. بنية رقاقة الثلج: متاهة من المرايا
لفهم اللون الأبيض، نحتاج للنظر إلى الثلج عن قرب. رقاقة الثلج ليست قطعة صلبة من الجليد. إنها بنية معقدة من مئات بلورات الجليد المجهرية المحاطة بجيوب من الهواء.
- أسطح متعددة: كل بلورة ثلج لها عشرات الأوجه والزوايا المجهرية.
- الانكسار والانعكاس: عندما يصطدم شعاع الضوء برقاقة الثلج، لا يمر ببساطة من خلالها. يصطدم بسطح، يغير اتجاهه (انكسار)، يصطدم بآخر، ينعكس، وهذا يتكرر ملايين المرات داخل طبقة من الثلج.
2. الانعكاس المنتشر: ولادة الأبيض
يتكون ضوء الشمس من جميع ألوان قوس قزح (الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي). عندما تمتزج هذه الألوان بالتساوي، تدرك أعيننا "الأبيض".
التشتت العشوائي: لأن الثلج مكون من كثير من البلورات المرتبة عشوائياً، ينتشر الضوء في جميع الاتجاهات. هذا يسمى الانعكاس المنتشر. الثلج يعكس جميع أطوال موجات (ألوان) الضوء بالتساوي إلينا. بما أنه لا يُمتص لون أكثر من آخر، فإن النتيجة التي تصل إلى أعيننا هي الأبيض النقي.
3. لماذا الجليد شفاف والثلج ليس كذلك؟
الفرق يكمن في التجانس. في مكعب جليد صلب أو قطعة زجاج، الأسطح ضئيلة. الضوء يمر في خط مستقيم دون أن "يعلق".
إذا كسرت مكعب جليد شفاف إلى ألف قطعة (جليد مجروش)، سترى أنه يبدأ بالظهور أبيض. هذا يحدث لأنك أنشأت العديد من الأسطح الجديدة التي تبعثر الضوء، تماماً كما يفعل الثلج طبيعياً.
4. عندما يصبح الثلج أزرق
هل لاحظت يوماً أنه في الثقوب العميقة في الثلج أو في الجبال الجليدية، يبدو اللون أزرق؟ هذا ليس وهماً.
- الامتصاص: عندما يُضغط الثلج بشدة (كما في الأنهار الجليدية) ويخرج الهواء من الداخل، يجب أن يسافر الضوء أعمق بكثير في الجليد قبل أن ينعكس.
- الطيف: الجليد يمتص قليلاً من الضوء الأحمر والأصفر أكثر. لذا، الضوء الذي ينجح في "الهروب" بعد رحلة طويلة عبر الجليد المضغوط هو أزرق بشكل رئيسي.
5. هل يمكن أن يكون الثلج بألوان أخرى؟
الطقس والبيئة يمكن أن "يلطخا" لوحة الثلج أحياناً:
- الثلج الوردي/الأحمر: في الجبال العالية، قد تجد ثلجاً بصبغة وردية أو حمراء. هذا عادة يسببه الطحالب (Chlamydomonas nivalis) التي تعيش في الثلج.
- الثلج الرمادي/الأسود: بالقرب من المدن أو البراكين، يمكن للتلوث أو الرماد أن يختلط بالثلج، مغيراً لونه.
- الثلج الذهبي عند الغروب: عندما تكون الشمس منخفضة، ضوءها لديه بالفعل المزيد من درجات الأحمر والأصفر، لذا يعكس الثلج هذه الألوان ويبدو ذهبياً أو برتقالياً.
الخاتمة
الثلج أبيض ليس لأنه يحتوي على مادة بيضاء، بل لأنه "الديمقراطية" المطلقة للضوء. جميع ألوان الطيف تنعكس بالتساوي، مما يخلق النتيجة البصرية التي نعرفها. في المقابل، إذا كان الماء يستطيع "التحدث"، لأخبرنا أن ظهوره شفافاً أو أبيض أو أزرق لا يعتمد على ماهيته، بل على كيفية ترتيبه. من مكعب الثلج في كوبك إلى الجبال المغطاة بالثلوج، إنها نفس المادة - فقط تروي قصة مختلفة للضوء الذي يصطدم بها.