اكتشف ظاهرة دوائر الجليد، الأقراص الدائرية المثالية من الجليد التي تدور ببطء في الأنهار والبحيرات. نشرح الميكانيكا وراء تشكلها، وأهمية الدوامات، وكيف يقوم الدوران نفسه بنحت حواف الجليد في دوائر مثالية. نحلل الاكتشاف العلمي الحديث حول كيف يمكن لتغيرات كثافة الماء بسبب درجة الحرارة أن تسبب الدوران حتى في المياه الراكدة. دليل لأحد أكثر مشاهد الشتاء هدوءاً وسحراً.
دوائر الجليد: الأقراص الدوارة المثالية في الأنهار
فيزياء أم سحر؟ العلم وراء الأقراص المتجمدة التي تتحدى الخيال
تزين الأسطح المتجمدة للأنهار في مناطق مثل اسكندنافيا وكندا أو روسيا، تبدو دوائر الجليد مثل أسطوانات فينيل بيضاء ضخمة تدور بصمت في الماء. بأقطار تتراوح من بضعة سنتيمترات إلى أكثر من 15 متراً، هذه الأقراص مثالية هندسياً لدرجة أنها غالباً ما تثير الرهبة لدى المراقبين المحظوظين. على الرغم من أنها تبدو من صنع الإنسان، إلا أن دوائر الجليد هي نتيجة توازن دقيق بين الهيدروديناميكا ودرجة الحرارة والحركة المستمرة للماء.
1. النظرية الكلاسيكية: «فخ» الدوامة
لعقود، اعتقد العلماء أن دوائر الجليد تتشكل حصرياً بسبب تيارات النهر. تشبه هذه العملية طريقة تشكيل قطعة خشب على المخرطة.
- خلق الدوامة: عندما تنحصر قطعة من الجليد في «دوامة» - نقطة يشكل فيها تيار النهر دائرة بسبب عائق أو منعطف - تبدأ بالدوران ببطء.
- النحت: بينما تدور قطعة الجليد، تحتك بالجليد الثابت المحيط أو ضفاف النهر. هذا الاحتكاك المستمر «يصقل» زواياها، محولاً إياها تدريجياً إلى دائرة مثالية.
- الصيانة: بينما يدور الجليد، يتجمد الماء البارد الذي يمر تحته بشكل موحد على الحواف، محافظاً على الشكل الدائري مع نمو القرص.
2. الاكتشاف الجديد: الدوران بسبب درجة الحرارة
في عام 2016، قلب فريق من الباحثين من جامعة لييج فكرة أن تيار النهر وحده يمكن أن يسبب الدوران. اكتشفوا أن دائرة الجليد يمكن أن تدور حتى في ماء راكد تماماً.
فيزياء الكثافة: الماء أكثر كثافة عند 4 درجات مئوية. عندما يذوب الجليد قليلاً من الأسفل، يبرد الماء الموجود مباشرة تحت القرص. هذا الماء البارد يغرق، مما يخلق تياراً عمودياً. بسبب قوة كوريوليس أو التفاوتات الصغيرة، يبدأ هذا الماء الغارق بالدوران، مما يخلق دوامة تسحب قرص الجليد في الدوران. هذا يفسر لماذا نجد دوائر الجليد في البحيرات بدون تيارات واضحة.
3. ظاهرة القرص العملاق في مين
حدث أحد أشهر الأمثلة في عام 2019 في ويستبروك، مين، الولايات المتحدة. تشكلت دائرة جليد عملاقة بقطر 90 متراً في نهر بريسومبسكوت.
انتشر هذا القرص فيروسياً عالمياً، يدور عكس اتجاه عقارب الساعة وأصبح «محطة توقف» لمئات الطيور التي استخدمته كجزيرة عائمة. كتلته الهائلة ودائريته المطلقة أثبتت أن الطبيعة يمكنها إنشاء هياكل تشبه الأجزاء الميكانيكية على نطاق المدينة.
4. لماذا الحواف ناعمة جداً؟
سر السطح الأملس يكمن في الاحتكاك والذوبان.
- الاحتكاك: مثل عجلة الطحن، يجبر الدوران الجليد على «التآكل» عند النقاط البارزة.
- النحت الحراري: الماء المتحرك حول حواف القرص أدفأ قليلاً من الجليد نفسه. هذه الحركة تذيب المحيط بشكل موحد، مما يضمن عدم تشكل زوايا حادة.
5. «دوائر الجنيات» والفولكلور
قبل أن يقدم العلم الإجابات، كانت دوائر الجليد تعتبر علامات سحرية. في العديد من التقاليد الشمالية، كان يُعتقد أنها أرضيات رقص للجنيات أو أرواح الماء. الصمت المخيف المصاحب لدورانها في المناظر الطبيعية المتجمدة يبرر هذه الأساطير تماماً. حتى اليوم، رؤية دائرة جليد تثير شعوراً بالهدوء و«النظام» وسط بيئة النهر الفوضوية.
6. أين ومتى تبحث عنها؟
دوائر الجليد عابرة. لرؤيتها، تحتاج:
- درجات حرارة تحت الصفر: لعدة أيام متتالية لتشكيل جليد مستقر.
- تدفق هادئ: أنهار بتدفق بطيء أو بحيرات ذات فروقات حرارية.
- ساعات الصباح: قبل أن تبدأ الشمس بإذابة حواف القرص الهشة.
هندسة الشتاء
دوائر الجليد هي دليل على أن الطبيعة تحب الأشكال والقواعد، حتى في البرد. إنها مزيج من الصدفة والفيزياء، حيث تتحول قطعة جليد مكسورة إلى شكل هندسي مثالي. تذكرنا بأن تحت سطح الماء المتجمد، تعمل قوى بلا كلل، «تنحت» عالمنا بطرق بدأنا للتو في فهمها بالكامل.
في المرة القادمة التي تجد نفسك فيها بالقرب من نهر متجمد، ألقِ نظرة على منحنياته. قد ترى أحد «أقراص الطبيعة» يؤدي رقصته الأبدية البطيئة.